إعلان إيقاف الحرب 19 مارس 1962
الرئيس بن يو سف بن خدة
بسم الله الرحمان الرحيم
أيها الشعب الجزائري، بعد عدة شهور من المفاوضات الصعبة الشاقة تحقق اتفاق عام في ندوة إيفيان بين الوفد الجزائري والوفد الفرنسي، وهذا نصر عظيم للشعب الجزائري الذي أصبح حقه في الاستقلال مضمونا، ونتيجة لذلك، باسم الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية المفوضة من طرف المجلس الوطني للثورة الجزائرية فإني أُعلن وقف إطلاق النار في كامل أنحاء الوطن الجزائري ابتداء من يوم الاثنين 19|03|1962 على الساعة الثانية عشر بالضبط، وإنني باسم الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية أُصدر الأمر إلى جميع قوات جيش التحرير الوطني المحاربة بالتوقف عن العمليات العسكرية والنشاط المسلح في مجموع التراب الجزائري.
أيها الجزائريون والجزائريات، مر الآن سبع سنوات ونصف منذ أن حمل الشعب الجزائري السلاح ليفتك حريته واستقلاله وسيادته الوطنية، فالمجد للشعب الجزائري الذي سجل بهذه الملحمة الكبرى أروع صفحة من تاريخه ورحم الله كل ضحايا الكفاح وجميع الشهداء الذين سقطوا في ميدان الشرف ليحيا الوطن الجزائري والمجد لجرحانا الذين لا حصر لهم والذين واجهوا قوى الاستعمار المتكالبة وعرضوا حياتهم للخطر والمجد للمناضلين في جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني، الذين كانوا في طليعة المعركة والمجد للمساجين والموقوفين في المحتشدات الذين تألموا في سجون الاستعمار. إليكم جميعا تعلن الأمة اعترافها الأبدي وتتخذ منكم الأجيال القادمة مثلا أعلى وتجعل منكم ذكرى خالدة، فبفضلكم وبفضل إخلاصكم وتضحياتكم التي لا حد لها تحققت انتصارات ضخمة في طريق التحرر واليوم وفي هذا الظرف التاريخي أحيي باسم الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية الشعب الجزائري البطل الذي دفع ثمنا غاليا في هذه الحرب وبذل من شجاعته وأبدى من إخلاصه ما استرجع به الوطن السليب وأعاد إليه كرامته.
أيها الجزائريون والجزائريات، منذ سبع سنوات ونصف من الحرب القاسية وقف الشعب الجزائري أمام إحدى القوات العظمى العالمية في عصرنا، لقد تجنًد أكثر من مليون جندي فرنسي لقهر شعبنا واستعملوا في سبيل ذلك كل أسلحتهم العصرية من طائرات ومدافع ودبابات وسفن حربية، وبلغ بفرنسا أن أنفقت ثلاث مليارات فرنك في اليوم في هذه الحرب وكانت مع ذلك تستفيد من الإعانات الضخمة التي يمدها بها الحلف الأطلسي في جميع الميادين العسكرية والمالية والسياسية والمعنوية وحاول الاستعمار الفرنسي بواسطة قسم كبير من المستوطنين الأوروبيين في الجزائر أن يتشبث بالجزائر الفرنسية، كل هذه القوة بماذا قابلها الشعب الجزائري؟ قابلها أولا بإيمانه بعدالة قضيته وبثقته بنفسه ومستقبله وقابلها بإرادته التي لا تتزعزع وعزمه على فك أغلال الاستعمار وقابلها أخيرا وبالخصوص بوحدة صفوفه في الكفاح. إن الجزائريين، رجالا ونساء شيوخا وشبابا من الجزائر العاصمة إلى تمنراست ومن تبسة إلى مغنية وقفوا كلهم وقفة رجل واحد في حربهم التحريرية. فلا محاولات التفريق ولا أعداء الثورة ولا المستفزون لم يكن لأي واحد من أولئك أن يمس إيمانهم أو وحدتهم القوية. لقد شعر الجزائريون أنهم كالجسد الواحد في هذه المعركة الهائلة وكانت جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني في طليعة هذه المعركة من أجل الشعب وبفضل كفاحهم المتواصل استطاعوا أن يسددوا ضربات قاسية للعدو. إن الثورة الجزائرية قد انتزعت إعجاب الجميع وهي اليوم تتمتع بسمعة عالمية وبتأييد عدد كبير من الأصدقاء في العالم فإلى إخواننا العرب في المغرب والمشرق وإلى جميع الإفريقيين وإلى الأقطار الاشتراكية وإلى شعوب العالم الثالث وإلى الديمقراطيين في فرنسا وأروبا، إلى كل أولئك نحن مدينون بالشكر والاعتراف بالجميل عما وجدنا من طرفهم من مساندة وتأييد.
إن الشعوب التي لا تزال تحت نير الاستعمار قد استخلصت من كفاحنا عبرة ودرسا ثمينا في نضلها. إن هذه المعركة قد أزالت الخرافة الإفريقية وبرهنت من ناحية أخرى بأن أي شعب مهما كان صغيرا ومهما كانت وسائل كفاحه متواضعة يستطيع أن يقف ويصمد وينتصر على الاستعمار مهما كانت قوته.
إن الكفاح البطولي الذي قام به الشعب الجزائري والمساندة الدولية قد أجبرت العدو على أن يتخلى عن مواقفه القديمة وعم حلمه "بالجزائر الفرنسية" وأن يعترف بحتمية استقلال الجزائر. إن الاستعمار بالرغم من الوسائل التي استعملها قد انتهى به الأمر بعد سنوات طويلة من المعارك إلى التخلي عن حلمه بالانتصار العسكري ووجد نفسه مضطرا للدخول في المفاوضات مع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، وإننا إذا اعتبرنا المواقف الفرنسية التي كانت تشترط وقف القتال قبل أي تفاوض فإننا نجد أن الشعب الجزائري قد حقق في هذا الميدان نصرا عظيما، وهذا النصر يتمثل في الاستقلال الذي سيكون هو النتيجة الحتمية لتقرير المصير. إن نهاية المفاوضات بين الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية والحكومة الفرنسية هي عبارة عن مرحلة جديدة في تاريخ البلاد وإن قرار وقف العمليات العسكرية فوق مجموع التراب الوطني هو نتيجة لاتفاقيات أبرمت على أساس ضمانات تتعلق بتقرير المصير وبمستقبل البلاد. إن محتوى هذه الاتفاقيات يتماشى مع مبادئنا الثورية التي أعلناها أكثر من مرة وهي:
أولا: الوحدة الترابية للجزائر في حدودها الحالية وهذا ما يقضي على كل محاولة مكشوفة أو متسترة لتجزئة الجزائر في الشمال أو لفصلها عن صحرائها ’
ثانيا: استقلال الجزائر، إن الدولة الجزائرية ستتمتع بجميع مقومات السيادة بما في ذلك الدفاع الوطني والسياسة الخارجية واتجاهها الخاص في الداخل والخارج،
ثالثا: وحدة الشعب الجزائري التي اعترفت بها فرنسا، وبهذا تخلت عن فكرتها الاستعمارية في تجزئة الشعب الجزائري إلى فئات وطوائف. إن الوحدة الوطنية للشعب الجزائري تدعم حضارته العربية الإسلامية التي انصهرت في المعركة من أجل الاستقلال،
رابعا: الاعتراف التي دارت أول الأمر حول ضمانات تقرير المصير قد تطورت بشكل حاسم نحو مفاوضات عامة تشمل كل مستقبل الجزائر وإن الدولة الجزائرية ستختار بكل حرية مؤسساتها الخاصة وتسطر نظامها السياسي والاجتماعي الذي يتلاءم مع مصالحها، وفي ميدان السياسة الخارجية فإن الجزائر ستخط سياستها التي تختارها بكل حرية وبسيادة تامة، إن هذه الدولة ستكون دولة ديمقراطية، إنها ستوقع بدون تحفظ على ميثاق حقوق الإنسان وإنها ستقيم مؤسساتها على المبادئ الديمقراطية والمساواة في الحقوق السياسية بين جميع المواطنين بدون تمييز في الجنس أو الدين، وفيما يتعلق بالأوروبيين في الجزائر فإننا سوينا هذا المشكل في إطار سيادة الدولة الجزائرية وبمقتضى وضعيتهم الخاصة في بلادنا إننا وفضنا نظام المجموعة للأوروبيين في الجزائر كما رفضنا مبدأ الجنسية المزدوجة التي تمس بوحدة الدولة الجزائرية وتعرقل تطورها وتوصلنا إلى اتفاق يسمح للأوروبيين بممارسة الحقوق المدنية الجزائرية لمدة معينة ابتداء من تقرير المصير وبعد هذه الفترة من الوقت يمنح للأوروبيين في الجزائر حق الاختيار في الجنسية الجزائرية التي يطلبونها بصفة فردية وبين البقاء على جنسيتهم وعندئذ يعاملون بمقتضى الاتفاقية الخاصة بالرعايا الفرنسيين، أما الذين يختارون منهم الجنسية الجزائرية فستحفظ لهم ثقافتهم ولغتهم ودينهم وسيكون لهم تمثيل عادل في الشؤون العامة وخاصة في المجالس، ومما يميز الوطنية الجزائرية أنها سوت مشكلة الأوروبيين بروح ديمقراطية وإنسانية. منذ أول نوفمبر 1954 ونحن نكرر بأننا لا نحقد على الأوروبيين في الجزائر وبالرغم من أعمال العنف والجرائم التي تسلط تسلطا أعمى على الأبرياء فإن شعورنا نحوهم لم يتغير. إننا نفرق بين العصابات الفاشية من المغامرين وبين بقية الأوروبيين وإنني أدعو الأوروبيين الذين يدركون واقع عصرنا والذين يفكرون في مستقبلهم إني أدعوهم أن يبتعدوا عن العنصريين وعن غلاة المستعمرين الرجعيين، إن الأوروبيين الذي يريدون أن يعيشوا في الجزائر المستقلة ويعملوا في أمن وسلام في إطار التعاون المثمر، إن هؤلاء قد أعطيناهم الضمانات الضرورية العادلة، أما فيما يخص المسائل العسكرية فقد سويت على أساس جلاء القوات الفرنسية المسلحة، وإن هذه القوات بعددها الكبير وعتادها الهائل سيتم جلاؤها حسب توقيت مضبوط وبالرغم من وجود قاعدة مرسى الكبير في الجزائر فإننا سنبقى أوفياء لسياسة الحياد وعدم الانحياز التي سطرت أخيرا في مؤتمر بلغراد وإن الأمثلة التي في البلدان المحايدة اليت توجد فيها قواعد عسكرية أجنبية ليست قليلة في العالم. إن الجزائر المستقلة لن تشارك في أي حلف عسكري وستنظم دفاعها الخاص بسيادة مطلقة وإن إقامة التوقيت المحدد لجلاء القوات الفرنسية عن الجزائر التي عانت تحت الاحتلال الأجنبي أكثر من قرن يعتبر نصرا مبينا. أما فيما يخص التعاون الذي ستقيمه الدولة الجزائرية مع فرنسا فإنه سيقام على أساس المساواة والاحترام لسيادة كلا البلدين وعلى المصالح المتبادلة ويشمل هذا التعاون الميادين الاقتصادية والفنية والمالية والثقافية وكذلك استثمار ثروات الصحراء. ويمكن قبول بلدان أخرى مجاورة ضمن هذه المؤسسة، أما بالنسبة للإصلاح الزراعي فإن المقرر أن فرنسا ستساهم بدفع تعويضات للمعمرين وبالنسبة للفترة الانتقالية فلكي تتهيأ الجزائر لممارسة الاستقلال ولتتوفر الشروط السياسية والإدارية لتقرير المصير بحرية حصلت اتفاقيات ترمي خصوصا إلى تشكيل هيأة تنفيذية مؤقتة وقوة محلية وتعيين مندوب سامي لفرنسا بالجزائر يقوم مقام الوالي العام وإطلاق سراح المعتقلين والمساجين وإزالة المحتشدات ومراكز التجمع ورجوع اللاجئين والذين أبعدوا عن ديارهن. وفي هذه الفترة الانتقالية سيمتنع الجيش الفرنسي عن العمليات العسكرية وعن كل نشاط يعرقل التعبير الحر عن إرادة الشعب الجزائري ويبقى جيش التحرير الوطني على حاله محتفظا بنظامه وبسلاحه وبإطاراته في المناطق التي يوجد فيها الآن. إن الفترة الانتقالية تتطلب تيقظا كبيرا وإن وقف إطلاق النار ليس هو السلم والخطر الكبير لا يزال ماثلا في منظمة العصابات العنصرية الفاشية التي تحاول أن تغمر بلادنا في موجة من الدماء بعد أ يئست من إبقاء الجزائر فرنسية، وإن السلطات الفرنسية المدنية والعسكرية كانت لحد الآن تتواطأ قليلا أو كثيرا مع هذه المنظمة، وإن من المصلحة العليا للسلم والتعاون بين البلدين أن يوضع حد لهذا التواطؤ. إن الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية من ناحيتها عازمة على الوفاء بعهودها والحكومة المؤقتة للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية المؤتمنة على السيادة الجزائرية والمتكلمة باسم الشعب الجزائري ستواصل تحمل مسؤولياتها إلى أن تتكون حكومة نهائية منبثقة عن المجلس الوطني الجزائري الذي سينتخب بعد مدة قصيرة من يوم الاستفتاء.
أيها الشعب الجزائري، يجب أن نستعد لتحقيق الاستقلال. إن الاستقلال ليس غاية في ذاته وإنما هو وسيلة فقط تمكننا من تغيير وضعية شعبنا. إنه سيتيح لنا الانتقال من حالة التعفن الاستعماري إلى طور التحرر والاندفاع في معركة البناء الاقتصادي والتحرر الاجتماعي. إن عدة مهمات تنتظرنا وفي مقدمتها تشييد ما تهدم طيلة سبع سنوات من الحرب وتضميد الجراح ومقاومة البطالة والتخلف. وإن من مهماتها أن نبني مجتمعا جديدا يكون صورة لوجه الجزائر الفتية الجديدة الحرة، الجزائر التي يجب أن يساهم في تشييدها كل مواطن. وكل هذه المهمات تتطلب منا منذ الآن مجهودات أكثر من ذي قبل وتجنيد كل طاقاتنا ووحدتنا وانسجامنا جميعا حول الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، وتتطلب اليقظة والامتثال لإحباط مناورات الاستفزازيين والديماغوجيين والمفرقين. إن كل الجزائريين يجب أن يعتبروا أنفسهم في حالة طوارئ. إن تنظيم الجماهير في الجزائر سيتعزز ويتقوى. إن المحالفات السياسية والديبلوماسية التي تحصلنا عليها طيلة سبع سنوات من الكفاح ستتعزز وتتسع.
أيها الجزائريون والجزائريات، إن وقف إطلاق النار ليس هو السلم. الفترة الانتقالية هي الاستعداد للاستقلال وليس هي الاستقلال. وما لم يقع الإعلان عن الاستقلال وما لم تقم دعائم الدولة، وما دامت حكومة الجزائر الحرة غير مستقرة فوق التراب الوطني فإن الشعب والمجاهدين والمناضلين يجب أن يبقوا في حالة التجنيد، يجب ألاَ نتخلى عن يقظتنا طيلة هذه الفترة الانتقالية. إن كل مسؤول وكل مناضل يجب أن يبقى في مركزه. إن الجزائر ستكون كما نريدها نحن الجزائريين أن تكون، وإن الشعب الجزائري القوي بوحدته وأمام العالم الذي يرقبه سيواصل نضاله لتحقيق الأهداف التي استشهد من أجلها مئات الآلاف من الأبطال الجزائريين. إن الشعب سيبقى ساهرا على تطبيق الاتفاقات الفرنسية الجزائرية، وإن شعبنا سيستطيع الاعتماد على جميع الشعوب في العالم، بما فيها الشعب الفرنسي الذي تهمه أيضا قضية السلم في الجزائر.
أيها الشعب الجزائري، يجب أن نقوي من طاقاتنا ونهيئ بعث الدولة الجزائرية المستقلة ذات السيادة، الدولة التي تتيح لنا إرساء قواعد سليمة لجمهورية جزائرية ديمقراطية واجتماعية.
نصر الله الشعب الجزائري المناضل وعاس استقلال الجزائر.
تونس في 19/03/1962

