جمعية العلماء المسلمين كانت منفتحة على الفن والثقافة ( البروفيسور مولود عويمر )
أكد البروفيسور مولود عويمر، خلال استضافته في حصة “مانشيت ” التابعة لـ ” الوسط ” أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من خلال قراءة فكر علمائها تشعر أن هؤلاء العلماء يرون أن الحركة الإصلاحية في الجزائر تأخرت كقوة وليس كأفراد .
وفي هذا الصدد قال ذات المتحدث أن هذه الحركة من قبل كغطاء تحت السلطة الفرنسية مستدلا في ذلك بعبد الحليم بن سماية وبن شنب ومولود بن موهوب وعبد القادر مجاوي فكل هؤلاء كانوا مصلحين من خلال كتاباتهم ومقالاتهم عن طريق إحياء التراث الإسلامي واللغة العربية ولكن دائما تحت مظلة ومراقبة تحت حدود معينة لا يتجاوزنها باعتبارهم موظفين عند السلطة الفرنسية، أما الحركة الإصلاحية بكل حرياتها تأخرت حتى 1931 والتي جاءت على شكل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وهذا التأخر الذي دام قرنا كاملا جعلهم يشتغلون على كل الجبهات والمجالات كالصحافة من خلال 4 جرائد من بينها السنة، السراط، الشريعة ثم البصائر، بالإضافة إلى المدارس في كل المدن الجزائرية مع التربية والتعليم وإحداث ثورة في الجزائر من خلال تعليم البنات مع وجود مدارس في الجزائر العاصمة وتلمسان وقسم سنة وغيرهم، حيث أن التعليم أخذ جهد ووقت كبير من طرف هذه الجمعية بالإضافة إلى الإصلاح والتجديد الديني مع مبارك الميلي الذي أصدر كتاب “رسالة الشرك ومظاهره” وفيه نقد كبير للطرقية وكتب تاريخ الجزائر القديم والحديث في جزئيين ، لنجد فيما بعد أحمد توفيق المدني حيث أنهم وظفوا التاريخ لبناء هذا الفكر الوطني بمعنى أن الجزائر عكس ما يروج لها المؤرخون الفرنسيون فالجزائر كانت دولة وكيان سياسي قائم بذاته وبخصوصياته يختلف تماما عن الكيان الفرنسي أو الكيان المغربي أو التونسي وفيه جانب آخر اشتغلت عليه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وهو المجال الفني و الثقافي من خلال المسرح كأحمد رضا حوحو الذي ألف مسرحيات ومحمد بن العابد وجلالي أيضا الذي له روايات ومسرحيات كثيرة وكذلك بالنسبة لمحمد صالح رمضان حيث نجد هذه الحركة الأدبية والفكرية والثقافية والفنية كالمسرح والموسيقية أيضا تم تشجيعا من طرف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وهذا ما يؤكد تفتحها على الفن والثقافة ، في حين نجد الشيخ العقبي والبشير الإبراهيمي وأبو يعلى الزواوي الذين كانوا يكتبون مقالات قوية جدا في جريدة “البصائر ” موجهين نقدا لاذعا للحياة بشكل عام.
تأخر الحركة الإصلاحية في العالم الإسلامي لعدة قرون
واعتبر الدكتور مولود عويمر، الحركة الإصلاحية في العالم الإسلامي تأخرت لعدة قرون في ظروف تختلف تماما عن الظروف التي ظهرت في الحركات الإصلاحية في أوروبا فالعالم الإسلامي تقريبا بدأت بوادرها مع بدايات القرن 19 وكانت في الأول مجموعة أفكار من رجال الدين وهي عبارة عن إصلاح ديني كمحاولة لإحياء الدين كما يسميه أبو حامد الغزالي ثم بعد ذلك يأتي التجديد حيث أن هذا الإصلاح تطور فيما بعد إلى إصلاح مس جوانب ثقافية واجتماعية وسياسية وإدارية التي تأتي فيما بعد. وكانت في البداية ثقيلة بعض الشيء ، إلا أنها سرعان ما تحولت وتوسعت وتطورت فيما بعد إلى تجديدية وتنويرية مع مجموعة من المفكرين من بينهم طه حسين وسلامة موسى و هذا ما يبرز أن الإسلام يتميز بالديناميكية ويسير نحو التغيير ،مشيرا عويمر أن التجربة الإصلاحية في العالم الأوربي تختلف تماما عن العالم الإسلامي في الإصلاح الدين من بينهم مفكري الغرب وهم : كالفن ومارتن لوثر كينغ الذين أسسوا المذهب البروتستانتي ، مضيفا إلى أن المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي من جامع الأزهر والزيتونة وغيرها أوجدت في واقع مر وبيئة متخلفة فيها حالة من اليأس الفكري والتي تعيش من الأوقاف و من المجتمع نفسه، لكنها تملك السلطة الأخلاقية والروحية والرمزية والتي تقف ضد مشروع سياسي طموح.
الإصلاح السياسي وواقعه في العالم الإسلامي
كما تحدث صاحب كتاب “الفكر الإصلاحي المعاصر وقضايا التنوير” عن الإصلاح السياسي وواقعه في العالم الإسلامي، وكيف تعامل المصلحون معه ، مؤكدا أن الجانب السياسي يتمثل في النضال الوطني في فترة فيها استعمار وعليه فالواقع الاستعماري يتضمن نضال سياسي مع نخبة من المصلحين كجمال الدين الأفغاني الذي قدم مشروع الجامعة الإسلامية من أجل استعادة قوة الخلافة بقيادة محمد الثاني ولكنه فشل بينه وبين محمد عبده ونجد تلامذته كالكواكبي وغيرهم أما في الجزائر فنجد في الشق السياسي بالمفهوم التحرري ضد الاستعمار الفرنسي نجد مصالي الحاج وفرحات عباس وفي الفكر الإصلاحي نجد العلامة عبد الحميد بن باديس مؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كما ذكر مصلحين آخرين كعبد العزيز الثعالبي ومحمد الطاهر بن عاشور في تونس ومحمد رشيد رضا في مصر، و كمال أتاتورك الذي كان منقذ تركيا.
ارتباط الإصلاح بالقومية
وتحدث الدكتور في التاريخ المعاصر عن ارتباط الإصلاح بالقومية مشيرا أن فكرة الوطنية والقومية ظهرت في أوروبا من تأثير الثورة الفرنسية ولكن أنجح الحركات الوطنية والقومية كانت في إيطاليا ثم بعدها دولة ألمانية والدولة السويسرية فالقرن 19 سمي بعصر القوميات وكانت رياح التغيير قوية جدا مع ظهور البعثات وتطور حركات الترجمة في العالم الإسلامي وفيه مرحلة الخوف في علاقتنا مع الغرب وطرد المسلمين من إسبانيا حيث أصبح فيما بعد هذا الخوف إلى الانبهار ثم تحول إلى مرحلة الاقتباس عن طريق الاستفادة من الحضارة الغربية خاصة في مجال الإداري كتأسيس جامعات ومدارس، والأمر الثاني هو تأسيس الجيش الوطني ليأتي فيما بعد الجانب السياسي مع الأحزاب السياسية والنضال السياسي ، ولا يختلف اثنان أن الإصلاح هو موضوع ووسيلة ومنهج.
البروفيسور مولود عويمر في سطور …
البروفيسور مولود عويمر من مواليد مدينة بوغني بولاية تيزي وزو في 3 جوان 19،حاصل على ليسانس في التاريخ، جامعة الجزائر ،جوان 1991 ،الإجازة في التاريخ المعاصر من جامعة بواتييه، سبتمبر 1993، دبلوم الدراسات المعمقة في التاريخ المعاصر من جامعة بواتييه، جوان 1994،دكتوراه في التاريخ المعاصر من جامعة باريس، أفريل 1998. ومن بين كتبه المنشورة :أعلام وقضايا في التاريخ الإسلامي المعاصر، مالك بن نبي رجل الحضارة، الإسلام والغرب بين رواسب التاريخ وتحديات المستقبل، محلل فكرية. (التراث- التجديد- العولمة)،تراث الحركة الإصلاحية الجزائرية ،مالك بن نبي حياته وآثاره، عبد الحميد بن باديس… مسار وأفكار، شخصيات وذكريات، مقاربات في الاستشراق والاستغراب، العلماء الأخلاء،السجالات الفكرية في الجزائر (1936- 1956)،جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.. مسارات وبصمات، التواصل الفكري بين النخبة الإصلاحية في المغرب الكبير، العلاقات الثقافية بين الجزائر والمشرق العربي في القرن العشرين، الفكر الإصلاحي المعاصر وقضايا التنوير، مالك بن نبي في الكتابات المعاصرة، الثورة الجزائرية في الدراسات المعاصرة، الرحلة الصينية، التاريخ والمؤرخون المعاصرون وشارك أيضا في كتب مشتركة : اللغة العربية في المهجر الفرص والعوائق، الشيخ عبد القادر المجاوي حياته وآثاره، الفكر السياسي عند الشيخ عبد الحميد بن باديس، أبو القاسم سعد الله بعيون مختلفة ،نصف قرن من البحث التاريخي بالجامعة الجزائرية (1962- 2012)،العولمة وانعكاساتها على العالم الإسلامي في المجالين الاقتصادي والثقافي الصادرة من المعهد العالمي للفكر الإسلامي وجامعة آل البيت، عمان، الأردن، الجزائريون والحرب العالمية 1914 – 1918، وغيرها ،وله كتب مخطوطة : تراث الحركة الإصلاحية الجزائرية ( أجزاء 3، 4، 5)،الدكتور أبو القاسم سعد الله مؤرخ خارج السرب، قراءات وخواطر، شخصيات جزائرية معاصرة ،حوارات في الفكر والتاريخ. وله محاضرات ومقالات وبحوث عديدة وقام أيضا بتصدير لكتب مطبوعة لفوزي مصمودي وجيلالي بوبكر ومحمد بن ساعو و عبد القادر قوبع وعبد القادر عزام عوادي، وكتاب الشيخ عبد الرحمان شيبان رجل القيم والمواقف الصادر عن المركز الثقافي الإسلامي، وشارك في حصص تاريخية وفكرية في الإذاعات الوطنية والمحلية والدولية، مع مساهمته في برامج تاريخية وفكرية في قنوات تلفزيونية جزائرية ولبنانية وقطرية ومغربية وألمانية.
حكيم مالك
