مساحة إعلانية 728×90

header ads
أحدث المواضيع

قراءة في كتاب الأمير لمكيافيلي (الدكتور أسامة عدنان)

"مكيافيلي" وكتاب "الأمير" ذائع الصيت!!
أجهزت اليوم على كتاب "الأمير"، لـ "مكيافيلي"، خلال ست ساعات ونصف متواصلة من القراءة..
أما الكتاب فهو يقع في 200 صفحة، منها 100 صفحة مراجعات ومقدمات ومناقشات لأفكار الكاتب والكتاب من قِبَلِ المترجم والمراجع وغيرهما، أما نص "مكيافيلي" نفسه، فهو يحتل المائة صفحة الأخرى من الكتاب..
أذكر أنني قرأت هذا الكتاب عندما كنت شابا صغيرا لم أتجاوز العشرين من عمري، ويومها كنت طالبا جامعيا..
والغريب، أنني كنت قد وجدته في مكتبة مسجد الحي الجامعي، فاستعرته..
إلا أنه لم يؤثر فيَّ ذلك التأثير في ذلك الوقت، وما لبثت بعد قراءته أن نسيت معظم محتوياته، ربما بسبب عدم اهتمامي به..
إلا أنني وبعد أن وجدتني مدفوعا إلى الرغبة في إعادة قراءته، بعدما أهداه لي صديق من تونس، فإنني قد قرأته هذه المرة بعقلية وذهنية رجل في الستين، وليس بعقلية وذهنية شاب في العشرين..
إن ما خلصت إليه بعد قراءتي لـ "الأمير"، هو أن "مكيافيلي" الإيطالي المولد والأصل والمنبت والممات، نظرَ إلى مجموعة من الأمراء، والسياسيين، والملوك، وإلى مجموعة من الدول، والممالك، والإمارات، والإمبراطوريات، كلها أوروبية، واستقرأ من تاريخها مجموعة من الأفكار التي رآها تتكرر وفق إيقاع أخلاقي محدد، فاستنتج قواعد ومبادئ ما اعتبره أسلوبا يفترض أن يتبعه الأمراء والملوك والرؤساء.. إلخ..
ولأن النماذج التي اعتمدها لاستخلاص قواعده أو مبادئه تلك، محصورة في أوروبا قبل القرن السادس عشر، فالكتاب تم نشرة في العام 1532، ومن ثم فكل أمثلته ونماذجه، حدثت قبل ذلك التاريخ..
أقول: ولأن النماذج التي اعتمد عليها محصورة في أوروبا جغرافيا، وبشريا، وزمانيا، وقيميا.. إلخ، فقد جاء الكتاب وما فيه من أفكار مثيرا للشفقة، رغم كل هذا الصيت الذي حصل عليه هو ومُؤَلَّفُه..
لا أستطيع أن أنكر أنني وجدت في المائة صفحة التي هي نص "مكيافيلي" بعض الحكم، والأفكار القوية، والرؤى السديدة التي استفدت منها، ولكن الطابع الغالب على هذا الكتاب، هو الطابع التبريري الذي اعتبر تجارب الأوروبيين هي المعيار العالمي، فكأنه جعل من ممارساتهم، ومن نتاج تلك الممارسات معيارا..
مع أنني والحق يُقال لم ألمس منه تعميما معياريا عالميا، وإنما وجدنا هذا التعميم ممن قرأوه وورثوا فكره، إلى درجة أن كل زعماء العالم في كل جيل لاحق راحوا يقرأون كتابه ويعتبرونه مرجعا لهم في الكثير من معايير الزعامة وإنجاح تجاربهم وسلطتهم.. إلخ..
ولعله لذلك تفشى القهر والاستبداد والخداع والغدر والتآمر في السياسة الداخلية والخارجية لمعظم الزعماء والحكام الذين رأوا في "الأمير" مرجعا يعتمدون عليه..
ولعله لهذا السبب أيضا كانت أوروبا بكل تجاربها الشريرة قبل الخَيِّرَة في الحقب القديمة، وما تزال هي المعيار الذي يرجع إليه معظم المكيافيليين، إن صح التعبير..
على العموم، فإن أهم ما لفت انتباهي في هذا الكتاب، وأزعم أنني دقيق الملاحظة، ما يلي:
من بين النماذج التي كان "مكيافيلي" يوردها لاستنباط أفكاره ولوضع قواعد، ولتوجيه نصائحه، يمكن توضيح النتيجة التالية:
50% من النماذج، كانت نماذج عن تجارب إمارات ودوقيات وجمهوريات وممالك إيطالية، خلال فترة الانحطاط الإيطالي التي صادف أنه عاش خلالها..
30% من النماذج، كانت إغريقية ورومانية قديمة، ومن ثم هي ما يمكن اعتباره جذورا لإيطاليا ولتجارب إيطاليا أيام أمجادها الرومانية، وأمجاد أجداد الرومان ومورثيهم الحضارة، وهم اليونانيون الإغريق..
10% من النماذج، كانت نماذج فرنسية، مع التركيز على نماذج الاحتكاك الفرنسي بإيطاليا والاعتداء عليها واحتلالها.. إلخ..
8% من النماذج، كانت أوروبية غربية تركيزا على "إسبانيا، ألمانيا، سويسرا"..
1% من النماذج، كانت هندية وصينية قديمة..
1% من النماذج، كانت لها علاقة بالأتراك..
0% من النماذج، لها علاقة بالعرب..
أي أن العرب الذين حكموا العالم أكثر من 500 عاما، وكانوا مسؤولين من باب السلطة عن مصدر الإشعاع الحضاري لأوروبا، والذين حكموا إسبانيا أكثر من 700 عام، لم يجد "مكيافيلي" لديهم أي نموذج يستحق أن يستنبط منه قاعدة لها علاقة بالحكم، والإمارة، والأمراء.. إلخ..
لا بل هو عندما تعرض في حديثه إلى ما يعتبره أهم نموذج للأمير والزعيم والملك الإسباني، الذي اعتبره أنجح نموذج لملك وأمير أوروبي، مثنيا على عبقريته وعلى خبرته وعلى نجاحه من ثم، لم يذكر سوى ذلك الذي طرد العرب، مادحا بكل فخر قسوته الدينية – بهذا التعبير نعم، القسوة الدينية – على العرب وهي القسوة التي منحته سمعته وقوته واحترامه في أوروبا، على حد قوله..
وأخيرا فإن مكيافيلي – كما أتصور – في هذا الكتاب، أشبه بشخص أراد أن يُجري دراسة عن جريمة القتل، وعن القتلة، فتابع سجلات هذه الجريمة عبر تاريخ منطقة معينة، وراح يسجل ملاحظاته، مُرَكِّزا في تحليلاته وفي إصدار أحكامه، وفي وضع قواعده، على الانطلاق من واقعة التفريق بين المجرمين وجرائمهم، وأيهم أكثر نجاحا، وأيهم حقق رغباته وأهدافه، وأي طرق القتل أفضل وأكثر نفعا، وأي مُسَوِّغاتها وأدواتها أجدى بالاستخدام، ومتى يُفترض أن تكون وحشيا في القتل، ومتى يفترض أن تكون أقل وحشية، وكيف تحافظ على سمعتك بين القتلة كقاتل محترف مرعب، وكيف تخسر هذه المكانة بتحولك إلى قاتل أليف.. إلخ..
أكرر القول: إنه ورغم وجود بعض المواقع في الكتاب التي لا أنكر أن فيها فكرا وحكمة، إلا أنني في نهاية المطاف وجدت نفسي أمام كتاب يؤصل للسلطة وللحكم القابلين للاستمرار والنجاح والنفوذ، بالتأكيد على "اللاأخلاق في السياسة"..
ورغم أنني فهمت منذ اللحظة الأولى وعندما قرأت إهداء الكتاب أن مكيافيلي يتجه بخطابه إلى أمير موطنه "فلورنسا"، إلا أنني فوجئت في الفصل الأخير، بأن "مكيافيلي" كان قد أعد كتابه ليوجهه كطلب أو كنصيحة لحاكم فلورنسا راجيا إياه أن يكون هو منقذ إيطاليا وموحدها، ولقد شعرت بأنه وهو يتحدث عن إيطاليا وعن تكالب الأمم والممالك عليها، وعن تبعيتها وتشرذمها، وعن حاجة الإيطاليين إلى بطل يعيد لهم أمجادهم، وكأنه يتحدث عن حالة العرب في وقتنا الراهن بالتمام والتطابق والتشابه التي لا تعتريها شائبة..
لست أدري هل أنصحكم بقراءة هذا الكتاب، أو لا أنصحكم به..
ولكن من يريد أن يفجر هذا الدمل ويعرف من هو "مكيافيلي" على وجه الحقيقة، وكيف أنه سوغ الشر لأجل إنقاذ بلده إيطاليا، مقدما كل نصائح السياسة اللاأخلاقية لمن يأمل فيه القيام بهذه المهمة، فليقرأ هذا الكتاب..
أما من لا يجد نفسه معنيا بالاطلاع على نموذج من هذا القبيل، فإن قراءته لهذا الكتاب تغدو ترفا لا معنى له، ولا طائل وراءه..
أما أنا فقد تعلمت منه الكثير..
 


 

 

ليست هناك تعليقات

صور المظاهر بواسطة LUGO. يتم التشغيل بواسطة Blogger.